الشيخ عبد الغني النابلسي

173

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بهذا الانقياد ، أي الإسلام البلقيسي ، أي الذي فعلته بلقيس من وجه وهو ذكر ربوبيته لموسى وهارون عليهما السلام في تقدير كلامه ، فكان نظير ذكر معية سليمان عليه السلام وربوبيته للعالمين في إيمان بلقيس . ولكن لا يقوى ، أي انقياد فرعون قوته ، أي قوّة انقياد بلقيس لصريح المعية فيه وظهور الإطلاق في ربوبيته للعالمين وإن لزم ذلك في انقياد فرعون بتقدير ذكر موسى وهارون عليهما السلام انقيادهما مطلق من القيود ، وهو ربوبية العالمين ، وذلك هو الذي آمنت به بنو إسرائيل ، وأسلم له فرعون في قوله : وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 90 ] وهم السحرة الذين آمنوا برب العالمين رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) وقد كان قال لهم : آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [ الأعراف : 123 ] ، فبقي في نفسه ما آمنوا به ، فلما آمنوا أتى هو بذلك في كلامه فكانت ، أي بلقيس أفقه ، أي أكثر فقها ، أي فهما في الدين من فرعون في الانقياد للّه تعالى لمعرفتها كيف تؤمن لما آمنت ، وذلك لسلامتها مما وقع فيه فرعون من المهلكة في وقت الإيمان . وكان فرعون داخلا تحت حكم الوقت الذي كان فيه حيث قال حين أدركه الغرق آمنت ، أي صدقت بالذي آمنت ، أي صدقت به بنو إسرائيل ، أي أولاد يعقوب وهم قوم موسى عليه السلام ، لما رآهم نجوا من الغرق بإيمانهم ، فطمع في النجاة فآمن مثل إيمانهم كي ينجو هو كنجاتهم ، فكان إيمانه إيمان طمع محقق لا إيمان يأس من الحياة ، ولهذا قبل منه وعوتب على تأخيره فخصّص ، أي فرعون إيمانه بإيمان بني إسرائيل وإنما خصص بذلك إيمانه لما رأى السحرة قالوا في إيمانهم باللّه تعالى آمنا برب العالمين رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) . وفي موضع آخر من القرآن قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ طه : 70 ] ، وإن كان الواو لا تقتضي ترتيبها فإنهم لما قالوا ذلك بلغتهم ترجمة اللّه تعالى لنا بالعربية فقدم في الترجمة ذكر موسى وتارة ذكر هارون ويحتمل أن بعضهم قدم ذكر موسى وبعضهم قدم ذكر هارون فقصه اللّه تعالى . والظاهر أن تقديم ذكر هارون مراعاة لفواصل الآيات والأصل تقديم ذكر موسى وقول بعضهم ، لأن فرعون هو الذي ربى موسى فلو قدموا ذكره في إيمانهم لتوهم فرعون أنهم أمنوا به يرده ذكر هارون بعده ويبقى التوهم في تلك الآية التي قدم فيها ذكر موسى ، وقد وجد في كلام فرعون ما يرده وهو قوله : آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ولم يقل بي فصرح بتحققه بإيمانهم باللّه تعالى . * * *